لقد مر 16 شهرا منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول، مجزرة سمحات توراة، وما زال مواطنو اسرائيل ينتظرون إجابات على قائمة طويلة من الأسئلة الصعبة التي تؤلم دولة كاملة من نفس اليوم الأكثر دموية الذي شهده الشعب اليهودي منذ المحرقة.  حتى هذا اليوم  الذي يتم به كتابة هذه السطور، الجهة الموضوعية الوحيدة التي تعمل من أجل إعطاء الأجوبة هي مكتب مراقب الدولة ومفوض شكاوى الجمهور. 

 

في مقابلة شاملة، التي يتم نشرها هنا على جزأين، يصف مراقب الدولة متنياهو إنجلمان كيف تجري رقابة الدولة خلال الحرب، ماذا تعلم من الجولات التي قام بها في الميدان منذ السابع من أكتوبر، وما هي التحديات التي تواجه رقابة الدولة من أجل إتمام مهمتها: تسليط الضوء على إخفاقات المستوى السياسي، المستوى العسكري والمستوى المدني قبل يوم المذبحة، خلاله وما بعده والإلتزام بالعمل على تصحيح أوجه القصور.

Comptroller Englman at his office in Jerusalem

"حدثت كارثة في اسرائيل"

مراقب الدولة، قبل أن نتحدث عن تقارير الحرب، أريد أن أعيدك الى السابع من أكتوبر.  أين كنت؟ 
"كنا في زيارة عائلية في كندا.  خلال الصلاة في الكنيس في صباح العيد توجه الي الحاخام وقال لي بأن كارثة كبيرة جدا حدثت في اسرائيل.  تحدثت مع المصلين حول التحدي الكبير الذي يواجه دولة اسرائيل في أعقاب الهجوم الإرهابي الشنيع.  كان من المفترض أن نواصل رحلتنا في اليوم التالي الى نيويورك، لكن وسط كل هذه الفوضى كان لي من الواضح أنني عائد الى البلاد في يوم الأحد وهذا ما قمنا به. هبطنا في اسرائيل، أنا ذهبت الى المكتب، وتجند ابني حجاي  في الاحتياط.  دخل الى غزة وبعد حوالي شهر أصيب عندما أصيبت الدبابة بالصاروخ. لسروري، حالته اليوم جيدة، وأتمنى الشفاء العاجل لجميع الجرحى".

شعر الكثيرون عندها بأن دولة اسرائيل تمر بمحرقة يوم واحد.
"في السابع من أكتوبر نشاط الأفراد هو من أنقذ دولة اسرائيل. لقد أظهروا بطولة وقدرة على الإرتجال، مع تعريض حياتهم للخطر، بمحاولة لإنقاذ المواطنين الذين استغاثوا للمساعدة.  لكن بطولة الأفراد أبرزت بشكل أكبر إخفاق الأنظمة".

"كانت العلامات واضحة"

في إطار وظيفتك تقوم كل الوقت بالتحذير حول نقاط ضعف السلطات الحاكمة والهيئات العامة. هل تخيلت يوما بأننا سنصل الى انهيار كامل للأنظمة، وأن يتم التخلي هكذا عن مواطني اسرائيل؟ 
"لا يمكنني القول بأنني تخيلت إخفاقا هائلا كهذا، لكن كان من الممكن رؤية العلامات والإشارات التي كانت واضحة.  قبل ثلاثة أشهر من السابع من أكتوبر/ تشرين الأول أجرينا رقابة سريعة في مواقع جيش الدفاع على الحدود الشمالية.  كان هناك شعور بعدم الجهوزية لحماية الحدود- وكان هذا على الحدود التي اعتبرت أكثر خطورة آنذاك. كان من المفترض أن يتم نشر التقرير للجمهور في أسبوع السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، لكن اللجنة لشؤون رقابة الدولة التابعة للكنيست فرضت عليه السرية، ولم يتم إزالتها منذ ذلك اليوم.  أعتقد بأنه قد حان الوقت لإزالة السرية عن هذا التقرير.  على الرغم من أنه لم يتم نشر التقرير للجمهور، إلا أنه كان بين يدي رؤساء الدولة والجيش في الفترة التي سبقت السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، وكانوا يستطيعون استخلاص ”العبر“ منه".

المراقب إنجلمان في كيبوتس بئيري, 18.10.23

"ثقافة 'اتكل"

"لقد رأينا الكثير من الإخفاقات في رقابات أخرى قام بها مكتبنا خلال السنوات الأخيرة. مثلا، في الرقابة حول الإخفاق في الجدار الفاصل، حملة حارس الأسوار وبرقابات أخرى.  تشير التقارير بهذه المواضيع الى قضايا مشتركة: استعداداتنا خلال الروتين لمواجهة التهديدات الإرهابية تستند في رأيي على ثقافة ”اتكل“، وعندما تسوء الأمور-  على قدرة الإرتجال.  وأنا أسأل نفسي لماذا؟ برزت هذه الظاهرة في التقرير الذي قمنا بنشره حول نجاعة السياج في خط التماس.   لقد استثمروا في المشروع حوالي 8.3 مليارد شيكل، وفي النهاية وجدنا في الرقابة بأن السياج كان مثقوبا بشكل كامل، بحيث أن  عشرات آلاف المقيمين غير الشرعيين عبروا من خلاله".

"نرى هنا أهم فشلين: الأول، عدم القدرة على الحفاظ على رؤية الأمن طويل الأمد. في حال استثمرت الدولة في الجدار لكنها لا تستثمر بشكل كاف بالمعابر والصيانة الجارية- سيؤدي الأمر الى تآكل كبير في نجاعة الجدار. الفشل الثاني هو بأن المستويات التنفيذية تأخذ على عاتقها حرية إملاء السياسات، وليس بالضرورة استيفاء السياسات المطلوبة، بينما المستوى السياسي  يتفاعل  بشكل مفرط أكثر بالرد على الأحداث.  نحن نرى في الرقابات مرة بعد أخرى بأنه لا يتم تطبيق السياسات".

 المراقب إنجلمان في جولة رقابة في جدار الفصل

"كونوا مصغين للرقابة"

كيف تفسر هذه الفجوة الهائلة بين الإمتياز الاسرائيلي، الشركات الناشئة التي تحظى بشهرة عالمية، وبين السلوك الفاشل على كافة المستويات في الفشل الذريع في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول؟  هذه نفس الدولة، وهؤلاء نفس الأشخاص. 
"يمكن تفسير الفجوة بعدة طرق.  أولا، القدرة الاسرائيلية على الإرتجال غير مناسبة بالضرورة عندما نحتاج الى إدارة دولة بشكل منتظم. ثانيا، عدم القدرة على الإصغاء للرقابة وتقبل رأي مختلف.  هذا صحيح بخصوص الحكومة، رئيس الأركان وجهات إضافية.  يجب على الحكومة وجميع الهيئات العامة أيضا، أن تعمل على إصلاح أوجه القصور التي تثيرها رقابة الدولة.  وعندما يأتي مستوى صاحب رتبة أدنى ويقول ”الملك عاري“ ويحذر من خطر محتمل- يُحظر إلغاء رأيه.  يجب الإصغاء لهذا. يجب أن نفهم بأن الإصغاء للآخر- يُحسن. برأيي، هذا أحد الدروس الرئيسية ليوم السابع من أكتوبر. هذا أيضا سر نجاح الشركات الناشئة القدرة على التفكير خارج الصندوق وإنشاء بيئة متنوعة حولها، للحصول على وجهات نظر مختلفة".

بعد بدء الحرب مباشرة خرجت الى الميدان.  قمت خلال الأشهر التالية بإجراء العشرات من الجولات في أنحاء البلاد مع موظفي مكتبك.  ما هي الأهمية التي رأيتها في ذلك؟
"أنا أؤمن بأنه من أجل أن تكون الرقابة ناجعة، يجب أن تتجول في الميدان.  قلت آنذاك لمديري أقسام الرقابة في مكتبي، أنظروا الى الناس بأعينهم. اصغوا لهم.  سوف ترونهم أمامكم لاحقا، عندما نبدأ في كتابة تقارير الرقابة حول الحرب، فوراء كل تقرير هناك بشر. 

“إننا نشعر بأهمية هذه الجولات حتى اليوم، مع الإدراك بأننا الجهة الموضوعية والمستقلة التي تقوم بفحص هذا الفشل وتقوم بفحص جميع المستويات- المستوى السياسي، العسكري والمدني".

منزل مدمر في كيبوتس رعيم

تعزيز الرسالة العامة

ما هو الشيء الأكثر بروزا الذي انكشفت له في الميدان؟ 
"لقد أتاحت لنا الجولات الكشف عن المشاكل التي تتطلب حلا فوريا، وقمنا بتحويلها فورا لمعالجة الجهات ذات العلاقة.  بعد حوالي أسبوع من المذبحة أرسلت رسالة لرئيس الحكومة وأوضحت بها سلسلة من الإخفاقات التي رأيتها في الميدان والتي يجب حلها فورا- بدءا من فرق الاستجابة غير المجهزة كما يجب وحتى معالجة من تم إخلائهم من الجنوب والشمال".

"هناك أهمية كبيرة للجولات أيضا من حيث تعزيز واجهة رقابة الدولة أمام الجمهور في اسرائيل، في لقاء الناس الأكثر تضررا في السابع من أكتوبر.  عندما تراهم بعينيك ويقولون لك: ”لقد فقدت هنا ابنتي“، ”زوجي“، ”زوجتي“ أو ”لقد نجوت بأعجوبة وانتظرت الكثير من الساعات ليجيبني أحد ما بالهاتف“، تفهم بأنه يجب على من يتحمل المسؤولية تقديم حساب".

"الى جانب أقسام الرقابة أيضا الذراع الثانية لمكتبنا- مفوضية شكاوى الجمهور- خرجت الى الميدان. بعد ثلاثة أيام من المذبحة، أمام أنقاض شرطة سديروت، أعلنت عن افتتاح الخط الساخن للمفوضية، مركز هاتفي تم تخصيصه لمساعدة المواطنين الذين تضرروا من الجهات العامة خلال حالة الطوارئ.  لم نستكف بذلك: وصلت طواقم المفوضية الى المراكز التي يمكث بها من تم إخلائهم من أجل الإصغاء لهم ومساعدتهم في حل العقبات البيروقراطية مع السلطات.  منذ ديسمبر/ كانون الأوّل 2023 نشرنا تقرير خاص لمفوضية شكاوى الجمهور الذي حلل الشكاوى والتوجهات التي تم استقبالها في الأسابيع الأولى من الحرب وأشار الى فجوات خطيرة".

المراقب إنجلمان في الملجأ في معالوت ترشيحا

ساحة معركة في الكيبوتس

أي من الجولات أثرت عليك بشكل خاص؟  
"وصلنا الى بئيري مع رئيس مجلس أشكول آنذاك چيدي يركوني، بعد 11 يوما من المذبحة. خلال الجولة تم إعلام چيدي بأنه تم إيجاد جثة أخرى لأحد أعضاء كيبوتس بئيري، وأن هناك إشارات لوجود شخص آخر تم اختطافه.  ذهبت بين البيوت المحروقة، المدمرة، والتي بقيت في ساحاتها عرش يتيمة.  أنت ترى حيا رعويا أصبح ساحة حرب، جهنم على الأر".

"وصلنا الى سديروت بعد ثلاثة أيام من اندلاع الحرب ووجدنا مدينة مصابة، حوالي %50 من مواطنيها لم يتم إخلائهم بعد، وعلى وجه الخصوص من الفئات المستحقة للترقية. ساعدنا رئيس البلدة للوصول الى الجهات ذات العلاقة للتأكد من إخلاء جميع المواطنين".

في الجزء الثاني من المقابلة سيتحدث المراقب إنجلمان عن الرقابة التي يجريها مكتبه حول إخفاقات الحرب وعلى التحديات التي تواجه هذه الرقابات.