المستخدمون في مفوضية شكاوى الجمهور، الذين تجنّدوا فورًا بعد 7 أكتوبر من اجل تقديم المساعدة لسكان الجنوب والشمال المتضررين ومن أجل تحصيل حقوقهم، يخرجون مرة أخرى إلى الميدان – هذه المرة لمساعدة المُهجّرين الذين عادوا لمنازلهم، وبقية المتضررين من الحرب، في التعامل مع الصعوبات البيروقراطية
ممر من الإسمنت الرمادي يَعبُر وسط المسطحات الخضراء في كيبوتس مَاجين. إنها ساعة الظهيرة، ولا يعكر صفو الهدوء سوى زقزقة العصافير. هذا المشهد الرعوي الهادئ يتناقض تمامًا مع ما حدث هنا خلال مجزرة عيد "سيمحاة توراة"، عندما تحوّل هذا الكيبوتس الهادئ إلى ساحة معركة.
في السابع من أكتوبر 2023، اقتحم الكيبوتس نحو 20 مخرّبا من حماس، الواقع بالقرب من حدود غزة، بعد أن فجّروا السياج الغربي للكيبوتس. خاضت وحدة الطوارئ التابعة للكيبوتس معركة بطولية ضد المخرّبين استمرت عدة ساعات، وألحقت الضرر والخسائر في صفوفهم ونجحت في طرد الباقين، لكنها دفعت ثمنًا باهظًا: اثنان من أفراد وحدة الطوارئ، آ ڤي فلايشر (رحمه الله) وأوفير يارون (رحمه الله)، قُتلا خلال المعركة.
في اليوم التالي، حاول المخرّبون التسلل إلى الكيبوتس مرة أخرى، ولكن هذه المرة تم صدّهم من قبل مقاتلي جيش الدفاع الإسرائيلي. في التاسع من أكتوبر 2023، بعد محاولة التسلل الثانية، تم إجلاء سكان كيبوتس مَاجين إلى فندق في البحر الميت. وهناك، في أخفض مكان على سطح الأرض، وجدوا ملاذًا في تلك الأيام، إلى جانب سكان آخرين تم إجلاؤهم من مستوطنات أخرى في منطقة غلاف غزة، ومن سديروت وأشكلون."
"التقينا بسكان كانوا بحاجة إلى المساعدة والإرشاد"
في الأيام والأسابيع الأولى التي تلت الكارثة، عندما كان مئات الآلاف من السكان الذين تم إجلاؤهم بشكل طارئ من منازلهم بحاجة إلى المساعدة في ممارسة حقوقهم، كانت مفوضية شكاوى الجمهور في مكتب مراقب الدولة حاضرة من أجلهم. بتوجيه من مراقب الدولة ومفوض شكاوى الجمهور، السيد متنياهو إنجلمن، خرج مستخدمو المفوضية إلى فنادق المُهجّرين، والى المستوطنات التي تضررت وإلى تجمعات جنود الاحتياط. وفي الأسبوع الأول من الحرب، أنشأت المفوضية خطًا ساخنًا وفعّلته على مدار الساعة، لخدمة المتضررين من حالة الطوارئ.
كان واضحًا لنا أنه يجب إقامة نقاط استقبال ميدانية وعدم تفويت أي نداء استغاثة. التقينا بسكان كانوا بحاجة للمساعدة والإرشاد"، تتذكر المحامية مايا هليڤي، مديرة المكتب اللوائي لمفوضية شكاوى الجمهور في بئر السبع ونائبة مديرة القسم في المفوضية. " قمنا بمساعدتهم في تعبئة النماذج، وحللنا لهم مشكلات بيروقراطية. في ظل حالة عدم اليقين التي كانت سائدة، كان علينا نحن أيضًا أن نتعلم يومًا بعد يوم ما هي الحقوق التي يستحقونها. أحيانًا، كانت مساعدتنا ببساطة أن نكون معهم وأن نصغي إليهم."
أي حالة تتذكرينها بشكل خاص؟
"كانت هناك شكوى وصلتني عبر الخط الساخن خاصتنا. تتعلق الشكوى بزوجين مطلقين. الرجل كان يقيم في مستوطنة تم إجلاؤها، وبالتالي كان مستحقًا لمنحة سكن، أما المرأة فلم يتم إجلاؤها. أطفالهما، الذين كانوا في حضانة مشتركة، كانوا مستحقين للمنحة بفضل والدهم – لكن موقع مؤسسة التأمين الوطني لم تسمح بتقديم طلب باسم الأطفال فقط، بشكل منفصل عن الأم غير المستحقة للحصول على المنحة. في أعقاب توجّه المفوضية، أنشأت مؤسسة التأمين الوطني واجهة تقنية خاصة مكّنت هذه العائلة وعائلات أخرى في وضع مماثل من الحصول على المنحة المستحقة لهم."
ترميم الثقة
رجع العديد من السكان الذين تم إجلاؤهم من مستوطنات الجنوب والشمال إلى منازلهم منذ ذلك الحين، أو يتأقلمون الآن في مساكن مؤقتة في مستوطنات أخرى. لكن حتى اليوم، وبعد أكثر من سنة ونصف على اندلاع حرب "السيوف الحديدية"، ما زالت تعترض طريقهم عراقيل بيروقراطية مرهقة.
هذا هو السبب لخروج مستخدمي المفوضية في الأشهر الأخيرة للحقل الميداني لجمع الشكاوى من أولئك الذين لم ينجحوا في الحصول على مساعدة من الجهات والمؤسسات العامة، أو من أولئك غير الراضين عن المساعدة التي تلقوها. لهذا الغرض، تم ترسيم ومسح السلطات المحلية في الشمال والجنوب، وتم تخصيص فريق عمل ثابت لكل سلطة محلية يكون مسؤولًا عن التواصل المستمر معها وفتح نقاط لاستقبال الجمهور ضمن نطاق نفوذها. كما تم افتتاح نقاط لاستقبال الجمهور في مراكز إعادة التأهيل وفي بيوت المحاربين لمساعدة الجنود الذين لحق بهم الضرر جراء الحرب. حتى الآن، تم افتتاح حوالي 50 نقطة استقبال من هذا النوع في أنحاء البلاد .
في إطار الخروج إلى الميدان، زارت السيدة هليڤي والمحامي يعكوڤ چونشل كيبوتس مَاجين للقاء أعضاء الكيبوتس. تقول السيدة هليڤي: "نحن لا نكتفي بأن نشرح لهم حقوقهم فقط، بل نسعى أيضًا لتقديم المساعدة الفورية. في حالات التأخير والمماطلة في تقديم المساعدة أو عدم الاستجابة من قبل المؤسسات المختلفة."
من أجل العمل في الميدان، تقول السيدة هليڤي، فإن الأمر لا يتطلب المعرفة المهنية فقط، بل يتطلب أيضًا الاهتمام والقدرة على الاستماع: "قدرتنا على الوصول إليهم مباشرة، ورؤية الوضع بأعيننا، واقتراح حلول في وقت حقيقي – هذا ما يميزنا".
لمن يعالج الشكاوى يوجد دور مهم جدًا في هذه الأيام. فهم يساعدون على ترميم واستعادة ثقة المشتكين في الخدمة العامة التي خذلتهم في لحظة احتياجهم لها. من خلال عمل الأشخاص الذين يفحصون الشكوى، فانهم يذكّرون الجهات العامة أن خلف كل شكوى يوجد إنسان، وبذلك فهم يساهمون في جعل الخدمة العامة أكثر رحمة وأكثر تفهماً للمواطنين.
هل يوجد هناك فرق بين المشاكل التي واجهها المُهجّرون في بداية الحرب وتلك التي يواجهونها الآن؟
"نعم. في بداية الحرب، كان المُهجّرون بحاجة إلى مساعدة في تحصيل حقوقهم على المستوى الأساسي، وكانوا يشكون من التأخير في الحصول على الخدمات العامة التي يحتاجونها. أما الآن، يتم تقديم شكاوى أكثر حول مواضيع مبدئية ناتجة عن استمرارية الحرب، مثل الحصول على منح مالية. على سبيل المثال، اشتكت أم أحادية الوالدية من أحد الكيبوتسات التي عادت إلى منزلها من أنها تحصل على منحة للتزود بالمعدات من "إدارة تكوما" بمبلغ أقل مما تحصل عليه العائلات الأخرى التي فيها والدان. وقالت هذه الأم لنا: "أنا لا أشتري نصف صالون، وانما صالون كامل، مثل كل عائلة – فلماذا أحصل على مبلغ أقل ؟'"
التواصل الإنساني
المحامية هليڤي، التي بدأت مسيرتها كمساعدة قانونية في المحكمة اللوائية في أورشليم القدس، انضمت إلى مفوضية شكاوى الجمهور سنة 2005. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم، انها مرتبطة بالحقل الميداني، خاصة في منطقة الجنوب التي يخدمها مكتب المفوضية في بئر السبع. "التواصل الإنساني مع السكان، والقدرة على التواجد بجانبهم ومحاولة إحداث التغيير - هذا ما يمنحني القوة."
يتطلب العمل ليس فقط حلولًا تقنية، وانما أيضًا مرونة وقدرة على التعامل مع الحالة الحضارية الخاصة للشرائح السكانية المختلفة التي تسكن في منطقة الجنوب، بما في ذلك القادمون الجدد والمشتكون من المجتمع البدوي. تمنح المفوضية خدمات للمتوجهين اليها بعدة لغات: (اللغة العبرية، والعربية، والروسية، والأمهارية والإنجليزية)
ما هي التحديات التي تواجهينها في عملك؟
"لا يفهم الناس دائمًا أننا جهة مستقلة وليست حكومية، ولا يصدقون دائمًا أن المفوضية يمكن أن تساعدهم بالفعل. نحن نشرح لهم ما الذي يمكننا القيام به من أجلهم، ونعطيهم أمثلة على شكاوى نجحنا في معالجتها. أحيانًا يستغرق الأمر وقتًا لبناء الثقة، ولكن ذلك ممكن. حتى في الحالات التي لا ننجح فيها في إيجاد حل، فإن مجرد شعور المشتكي بأننا بذلنا جهدًا حقيقيًا لمساعدته– يمنحه شعورا جيدا بالفعل. نشاط مفوضية شكاوى الجمهور في الميدان، والذي بدأ مع اندلاع الحرب واستؤنف في نوفمبر 2024، من المتوقع أن يتوسع خلال السنة المقبلة.
"سنركّز على تقديم الدعم لمتضرري الحرب – المُهجّرين، جنود الاحتياط، الجرحى، والعائلات الثكلى"، تشرح المحامية هليڤي. "سنواصل التواجد إلى جانبهم، في الميدان، من أجل تمكينهم من تقديم الشكاوى أيضًا في أماكن سكنهم".
تعمل مفوضية شكاوى الجمهور، حتى في الأوقات الاعتيادية، لمساعدة ليس فقط متضرري حرب "السيوف الحديدية"، بل لمساعدة كل شخص يقدم شكوى ضد الهيئات العامة. يمكن تقديم شكوى إلى مفوضية شكاوى الجمهور بالطرق العديدة المفصّلة في الموقع الإلكتروني.






